ابن خلكان

84

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

بمكة رجل من المجاورين يقال له الشيخ صديق بن بدر بن جناح ، من أكراد بلد إربل ، وكان من كبار الصالحين ، فلما حضرت الملك المسعود الوفاة أوصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله ، بل يسلم إلى الشيخ صديق يجهزه من عنده بما يراه ، فلما مات تولى الشيخ صديق أمره ، وكفنه في إزار كان أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة ، وجهزه تجهيز الفقراء على حسب قدرته ، وكان أوصى أنه لا يبنى على قبره شيء ، بل يدفن في جانب المعلى جبانة مكة ، شرفها اللّه تعالى ، ويكتب على قبره « هذا قبر الفقير إلى رحمة اللّه تعالى « 1 » يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب « 2 » » ففعل به ذلك . ثم إن عتيقه الصارم قايماز المسعودي الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة ، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ صديق كتب إليه وشكره فقال : ما فعلت ما أستحق به الشكر ، فإن هذا رجل فقير سألني القيام بأمره فساعدته بما يجب على كل أحد القيام به من مواراة الميت ، فقيل له : تكتب جواب الملك الكامل ؟ فقال : ليس لي إليه حاجة ، وكان قد سأله أن يسأله حوائجه كلها ، فما رد عليه الجواب ؛ أخبرني بذلك كله من كان حاضرا ويعرف ما يقول ، واللّه أعلم . 219 وأما ولده الملك العادل فإنه أقام في المملكة إلى يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة ، فقبض عليه أمراء دولته بظاهر بلبيس ، وطلبوا أخاه الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وكان الصالح قد صالح الملك الجواد على أن أعطاه دمشق ، وعوضه عنها سنجار وعانة ، وقدم الصالح دمشق متملكا لها في مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة . ثم إن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك اتفق مع الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص على أخذ دمشق اغتيالا ، وكان الملك الصالح نجم الدين قد خرج منها قاصدا الديار المصرية ليأخذها من أخيه الملك العادل ، فلما استقر بنابلس وأقام بها مدة جرت هذه الكائنة في سنة سبع وثلاثين وستمائة ، يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر ، فهجما دمشق

--> ( 1 ) ق : رحمة ربه . ( 2 ) انظر العقد الثمين 7 : 492 ، 4 : 168 .